ابن رشد

167

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

من جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالم ، فقد جحد الصانع الحكيم تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . [ 209 ] وقولهم : إن اللّه أجرى العادة بهذه الأسباب وأنه ليس لها تأثير في المسببات بإذنه ، قول بعيد جدا عن مقتضى الحكمة ، بل هو مبطل لها . لأن المسببات إن كان يمكن أن توجد من غير هذه الأسباب على حد ما يمكن أن توجد بهذه الأسباب فأي حكمة في وجودها عن هذه الأسباب ؟ ! [ 210 ] وذلك أن وجود المسببات عن الأسباب ، لا يخلو من ثلاثة أوجه : إما أن يكون وجود الأسباب لمكان المسببات من الاضطرار « 54 » ، مثل كون الإنسان متغذيا . وإما أن يكون من أجل الأفضل ، أعني لتكون المسببات بذلك أفضل وأتم ، مثل كون الإنسان له عينان . وإما أن يكون ذلك لا من جهة الأفضل ولا من الاضطرار ، فيكون وجود المسببات عن الأسباب بالاتفاق وبغير قصد ، فلا تكون هنالك حكمة أصلا ، ولا تدل على صانع أصلا ، بل إنما تدل على الاتفاق . [ 211 ] وذلك أنه إن كان مثلا ، ليس شكل يد الإنسان ولا عدد أصابعها ولا مقدارها ( 53 / و ) ضروريا ، ولا من جهة الأفضل ، في الإمساك الذي هو فعلها ، وفي احتوائها على جميع الأشياء المختلفة الشكل ، وموافقتها لإمساك آلات الصنائع . فوجود أفعال اليد عن شكلها وعدد أجزائها ومقدارها ، هو بالاتفاق . ولو كان ذلك كذلك لكان لا فرق بين أن يخصّ الإنسان باليد أو بالحافر ، أو بغير ذلك مما يخص حيوانا حيوانا من الشكل الموافق لفعله . [ 212 ] وبالجملة متى رفعنا الأسباب والمسببات لم يكن هاهنا شيء يردّ به على القائلين بالاتفاق . أعني الذين يقولون لا صانع هاهنا ، وأن جميع ما حدث في هذا العالم إنما هو عن الأسباب المادية ، لأن أحد الجائزين هو أحق أن يقع عن الاتفاق منه أن يقع عن فاعل مختار .

--> ( 54 ) وجود المسببات ، ضرورة ، عن أسبابها ( العلاقة الضرورية بين السبب والمسبب ) . ومعنى العبارة : يكون وجود الأسباب من أجل المسببات ضروريا ، إذا توقف وجود المسببات على وجود تلك الأسباب ، كما تتوقف الحياة البشرية على التغذية . أما وجود السبب من أجل الأفضل فلا يتوقف عليه وجود المسبب : فالأفضل يقتضي أن يكون للإنسان عينان ولكن وجودهما ليس ضروريا لوجوده .